حبيبتي والازدواج


خلجات..
حبيبتي والازدواج
علامات التعجب والانذهال ظهرت واضحة على وجه حبيبتي وهي تسألني عن صديق كان جالساً معنا، حيث كنا نتبادل الاحاديث الصريحة والجريئة حول علاقة الزوج مع زوجته والأبناء مع والديهم والناس مع الناس.. وبدا هذا الصديق متطوراً في الأمور الاجتماعية والعائلية! ومن جملة ما ذكره لنا الصديق، انتقاداً سلبياً عن فلان الفلاني و زوجته، وكيف ان العلاقة بينهما جافة ورسمية اكثر من اللازم، وان أولادهما لا يستطيعون التحدث اليهما بصراحة، لا بل من النادر ان يدور حديث أو حوار بينهما.
ولماذا التعجب يا حبيبتي ؟
- هل تعلم بأن محدثنا ليس بأفضل من فلان الفلاني؟! فهو يتعامل مع زوجته وأولاده بكل صرامة وجدية واللتين يعتبرهما من ضرورات الشخصية المسيطرة، وبهما يحافظ على تماسك العائلة. ومن مسلتزمات الأخلاق العالية ان تطيعه زوجته طاعة عمياء واولاده يحترمونه ويخشونه، حتى انهم في حضرته لا يتكلمون الاّ اذا طلبوا الأذن بذلك.. واذا تسألني كيف عرفتُ ذلك؟ فلأن زوجته عندما التقيتها آخر مرة، كانت نافرة ومنزعجة منه، وشكت لي معاناتها من تسلطه المفرط داخل البيت، وعدم تفاعله مع متطلبات الحياة الكريمة لها ولأولادها الذين ما ان يخرج والدهم من البيت حتى يتنفسون الصعداء، ويشعرون بأن هماً كبيراً ازيح عن كاهلهم وهم يسرحون ويمرحون خارج الدار.. وقبل ان تكمل حبيبتي حديثها بادرتها بالكلام: "ولكن هذا الصديق ليتك رأيته في جلسات السمر والمتعة، فهو يهش ويبش بعيداً عن كل قالته زوجته لك، وانك رأيته قبل قليل كان يبدو شخصية منفتحة ويحب التطور والعلاقات المتوازنة في العائلة"..
وهنا لمعت عينا حبيبتي وانفرجت اساريرها كأنها اكتشفت حل اللغز ونطقت: "ازدواج الشخصية"*.. نعم هناك البعض أو الكثير في مجتمعنا ممن يعيش مثل قطعة النقود المعدنية، فهو تارة (الصورة) وتارة اخرى (الكتابة)، واذا التقى بشخص آخر مثله اصبحت الأمور كما في المنطق الرياضي أو الاحتمالات.
وكيف ذلك ؟ تخيل لديك قطعتان من النقود المعدنية رميتها في الهواء، فكم احتمال يظهر لديك ؟
وبعد تفكير بسيط قلت: اربع احتمالات:
{(ص،ص) ، (ص،ك) ، (ك،ص) ، (ك،ك)}
نعم جوابك صحيح، في علم المنطق اعتبر الصورة كأنها عبارة صائبة وبدل الكتابة تكون عبارة كاذبة.
 قلت: يا حبيبتي لقد جعلت رأسي يدور وابعدتِ عني نشوة اللقاء معك والاستمتاع بجمالك..
قالت: سأوضح لك شيئاً ثم عُد الى نشوة اللقاء.. ان عدم الاحترام والخوف من فقدان المركز الاجتماعي، ثم عدم الوضوح في العلاقات بين الناس، تجعلهم يدخلون في متاهة الازدواج.. فترى الرجل يريد الحفاظ على هيبته بحجة الحرص، وتجامله زوجته في ذلك وكأنها تريد ان يشعر بأنه متسلط عليها (خانعة)، وهي تخفي عنه ما تريد ان تخفيه، والأبناء مرتاحون لهذا الموقف هازئون به حتى لو يأكلوا الحصرم، وحين يبتعدون عن بعضهم كلٌّ يغني على ليلاه..
لحظة صمت تبادلنا فيها نظرات الوفاق، وبدا لي بأنها انتهت من الحديث لآخذ حصتي منها، ولكن صوتها الناعم نفذ الى اعماقي وقالت: تأكد بأن الوضوح والصراحة الحقيقية والصدق في التعامل العائلي والاجتماعي، هم أساس السعادة والحفاظ على الشخصية بعيداً عن الازدواج القاتل..
وماذا بعدُ ؟ هل تريدين من الناس ان تكون ملائكة ؟
"لا.. لا.. لا ياحبيبي" وتقول الاغنية "من الغباء ان تعيش ملاكاً بين البشر" ولكن لا للازدواج..
نوئيل الطباخ
* ملاحظة: المعنى الاجتماعي (وليس النفسي) لازدواج الشخصية، هو ان يسلك الانسان سلوكاً متناقضاً دون ان يشعر بهذا التناقض في سلوكه أو يعترف به، وهو ينشأ عن وقوع الانسان تحت تأثير نظامين متناقضين من القيم أو المفاهيم، فهو يتأثر بأحد النظامين تارة، وبالآخر تارة اخرى.

تعليقات